الأحد، 8 يوليو 2012

عكار: يوميات الدواليب والمسلحين


 غسان سعود - "الاخبار"
تلهج عكار بالروايات. تفيض القرى بها. كل مارٍّ في الطريق العام يحمل روايته الخاصة، وكل مراقب من نافذة منزله للجنون الذي يجتاح الحياة الهادئة هنا أيضاً. هنا بعض من الأخبار العكارية في اليومين الماضيين
غسان سعود
حزم النائب السابق وجيه البعريني حقائبه وأنصاره: «سأترك مصالحي وأتعلى في الجبال». اليوم يزور قائد الجيش العماد جان قهوجي ليبلغه أنه ليس قاطع طرق، لكنه حسم أمره: «سنقتص بأنفسنا من الزعران. نحن لسنا قاطعي طرق، لكن يمكننا أن نكون وأكثر. حركتي ستخرب المنطقة، سأقلب الدنيا على رؤوسهم». يرفض البعريني رفضاً باتاً «الأخذ بنصائح الأصدقاء بأن يهدئها قليلاً». يقود سيارة لوحة تسجيلها أجنبية، يحسن تمويهها. ستكون عكار قريباً برأيه في ألف خير: «اليوم ثمة هزة أرضية. لكن بعد كل هزة تستقر الأمور».
في تمجيد الدولاب
اسمه عزّام. عمره تسعة أعوام. اسألوا في بلدة برقايل عنه تجدوه. على جانب الطريق، طفل يلعب بدولاب. دولاب «بسكلي» صغير يربطه بعصا، يدفعها أمامه ويركض مع لهاثه وراء الدولاب. حين تنهك قواه، يمسح بفانيلته عرقه، يأخذ نفس هواء ويعاود ركضه. عزام طفل لعبته دولاب. براً وبحراً: يركن دولابه في الفيء، وينفخ دولاباً آخر ليسبح به. طفل مركبه دولاب. يشتري له والده مساءً دولاباً آخر كبير بثلاثة آلاف من دكان أبو حسام، ويحملانه ليضيئا بناره عتم لياليهم. طفل صوته دولاب. وحده الدولاب يسليه، وحده يحمله بنعومة فوق الأمواج ووحده يُسمِع العالم بوجوده.
«عملية»
الجمعة – الساعة 10 و20 دقيقة: يحيط أبرز المشاركين في مجزرة حلبا قبل أربع سنوات نفسه بثلاث مسلحين سوريين. يذهبون ويجيئون في ساحة حلبا بخطى عسكرية تضحك.
الجمعة – الساعة 10 و25 دقيقة: يهرعون إلى فان يقل الركاب من بيروت للتأكد من بطاقاتهم العسكرية، إن كان أحدهم يخدم في فوج المجوقل. لكن، يخيب أملهم مرة أخرى.
الجمعة – الساعة 10 و32 دقيقة: يسأل الأشاوس شاباً يركن سيارته بالقرب منه عمّا يفعله هنا في هذا الوقت من الليل ويطلبون تفتيش السيارة قبيل أمره بالمغادرة؛ لأنها «منطقة عسكرية».
الجمعة – الساعة 10 و40 دقيقة: تمر دورية لفرع المعلومات، يبتسم عناصرها للمسلحين، وحين يبادلونها الابتسام، تسأل زعيمهم عمّا إذا كانت جميع أمورهم بخير وإذا أعجبهم العشاء.
الجمعة – الساعة 10 و48 دقيقة: يأمر قائد المجموعة أحد جنودها بأن يضع له تنكة سفن أب تحت عمود الإنارة، فلا يكاد يفعل ذلك حتى تنهمر نيرانه حولها. يصيب الزفت والعمود وتصل الشظايا إلى صديقه ولا تتحرك التنكة في زاويتها.
الجمعة – الساعة 11: تضيء رشقات الرصاص سماء عكار. رائحة البارود أحلى من رائحة الكاوتشوك، وشهب الخردق أحلى من لهب الدواليب.
«قهوة»
عشرات نقاط بيع القهوة بين العبدة ووادي خالد تحولت في الأيام القليلة الماضية إلى خلايا أساسية لشلّ المنطقة. فمنها ينطلق المسلحون لقطع الطرقات وفق خريطة واضحة، وإليها يعودون للتزود بالغذاء والماء والدواليب والمازوت وغيرها.
السنّ بالسنّ والطريق بالعين
«يقطعون الطرقات علينا فنقطع المياه عنهم». هذا ما انتهى إليه أهالي إحدى البلدات ممن يستشعون خطراً من تصعيد أحد نواب المستقبل حملته على ضباط بلدتهم. ويحسب هؤلاء أن نحو ثلث عكار لا يملك بديلاً من مائهم، فيما يملكون هم طرقات أخرى ليس لتيار المستقبل نفوذ على «ضفافها». هكذا تتخذ النقاشات طابعاً مذهبياً تقسيمياً بامتياز: «يقطعون الطرقات علينا، فنقطع المياه عنهم».
اللبناني الحر
تجاوز الأمر النكتة، سجل في اليومين الماضيين في أكثر من بلدة إحصاء أنصار أحد نواب كتلة المستقبل العسكريين الموجودين في بلداتهم ومفاتيح الاتصال بهؤلاء إذا تقرر جدياً تحقيق حلم شقيق سعادته بإنشاء لواء الشيخ أحمد عبد الواحد في الجيش السوري الحر، بعد أن اقتنع سعادته بأن فكرة إنشاء «جيش لبناني حر» دونها مصائب كثيرة وستسبب إحراجاً كبيراً لتيار المستقبل وحلفائه.
مأذونية خاصة
أوقف الشباب الباص قرب مفرق بلدة البيرة. طلبوا الهويات والبطاقات العسكرية: «هذا بالمجوقل، لقطناه». أنزلوه. فتشوه. سألوه عن هويته أولاً، البلدة التي يأتي منها ثانياً. برقت عيونهم. استفاضوا في سؤاله عن مدى معرفته بقائد فوجه وعلاقته به وقربه العائلي منه. سنّ الشباب أسنانهم. أوقفوه قرب الحائط ريثما «يقررون مصيره». اختفى قائد المجموعة عشر دقائق وعاد، مصطحباً الفرج: اليوم سنمنعك من الالتحاق بسريتك ونعيدك إلى بلدتك. أما غداً، فالحساب أكبر، والله العظيم. ورماه بحقيبته.
سيارات الأشباح
تجوب عكار ليلاً ونهاراً إحدى عشرة سيارة من نوع هيونداي موديل 2011، تسير بثلاثة مواكب منفصلة. يضم الأول خمس سيارات، الثاني أربع سيارات والثالث سيارتين. زجاج جميعها عازل، وهي من دون لوحات تسجيل. يتقاطع اجتماع المواكب الثلاثة عند مفرق بلدة الشيخ طابا، ومن هناك تعاود الانطلاق بشتى الاتجاهات العكارية. أحدها يكثف حركته بين العريضة الحدودية ومستشفى عكار الحكومي. أحدها ينشط في بلدات نفوذ النائب خالد الضاهر الأساسية، والثالث يكتفي بجولات استطلاع بطيئة تجوب مختلف القرى من دون استنثاء. واللافت أن الطرقات المقفلة تفتح بسحر ساحر لهذه المواكب، حتى بات بعض الناشطين في المؤسسات الإنسانية يفكرون جدياً في التنسيق معها لنقل المرضى عند الضرورات القصوى.
عكاريون
العسكري الأسمر الذي يعاجلك بالـ«مرحبا» على الحاجز بمودة، عكاري. الطفل الذي يبيعك الغاردينيا على المارينا عكاري. الشاب الذي يهتم بنرجيلتك في المطاعم البيروتية عكاري. السائق الذي يقلك إلى عملك صباحاً ويرجعك منه مساءً عكاري. الأسر التي تنقلها الفانات الزرقاء لتملأ بها ساحاتها كلما احتاجت إلى ذلك عكارية. والأسر التي تنقلها الفانات البرتقالية لتملأ بها ساحاتها كلما احتاجت إلى ذلك عكارية أيضاً. عكاري الذي ما زال يصر على زراعة أرضه والاهتمام بأبقاره وإقناع نفسه بعزة فقره. وعكاري الذي يتفرج بذهول على الغنى المتقوقع في هذه الزاوية أو تلك. عكاريون أولئك الذين كان الرئيس سعد الحريري يوضبهم في الشركات الأمنية ليقاتل بهم، وعكاريون هم الذين يحرسون أمن العماد ميشال عون أمس واليوم وغداً في الرابية. وعكاريون هم المتحمسون ليكونوا ـــ ولو لمرة واحدة ـــ بداية أمر ما.

0 التعليقات:

إرسال تعليق