الأربعاء 09 أيار 2012:
غسان سعود - الأخبار
القائلون إن ميشال عون مجنون، استنتجوا أخيراً أن العونيين «أجنّ» منه. لا
هو يشك في أنه أقوى رجل في العالم، ولا هم يشكّون بأنهم نواة تغيير العالم
وإصلاحه
يعاود رمزي كنج صعود المسرح. يرافقه هذه المرة جيل كامل. «تُتَخِّن»
المسؤولية صوته الناعم عادة. يحق لجيله، لا لرمزي شخصياً، رفع صوته
ملوّحاً: هؤلاء أطلقوا الرصاص ابتهاجاً يوم دخل الجيش السوري قصر بعبدا.
قبالة كنج، جيل يخاطب «السياديين الجدد»: اهدؤوا قليلاً، اهدؤوا كثيراً،
الناس يعرفونكم. منكم من رقص الدبكة، ومنكم من باع عرضه وشرفه. جيل كامل
يتذكر الدموع التي خنقته يوم وقف الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في ضيافة
شريكه اللبناني الرئيس رفيق الحريري ليكرر معزوفة «الشرعي والضروري».
يذكّر كنج، بكلمات قليلة، جيله بالبغض الذي كنّه يومها لصديق الرئيس، وبما
كان (ولا يزال) صديق الرئيس يمثله. ثم يقول لهم: أنا رمزي كنج.
في مناطق النفوذ العونيّ، لكل بلدة رمزي كنج خاص بها. اسمه في القبيات جيمي جبور، في تنورين أنطوان حرب، في البترون بول باسيل ومارون ناصيف ومشايخ أبي نادر، في طرابلس حسان الحسن، في الكورة جورج عطالله، في بشري مالك أبي نادر، في بجة راغب أبي عقل، في جبيل لواء شكور ومروان وعماد ملحمي، في كسروان جيلبير سلامة ورولان خوري وجوزف فهد وداني ضو، في زحلة ميشال أبي نجم، في بعبدا ربيع طراف وفي الشوف هنري يونس ومارك راشد وغسان عطالله. يمثل كنج مجموعة شبان عرفوا بـ«مناضلي التيار الوطني الحر». تميز هؤلاء ببساطتهم، قربهم من الناس، عدم تلوثهم بحروب الأحزاب، واندفاعهم للتواصل مع مختلف القوى والجمعيات وهيئات المجتمع المدني. استمد هؤلاء من العماد ميشال عون الثقة بقدرتهم على تغيير العالم.
أثناء رئاسته الحكومة الانتقالية عام 1989، كان نداء عون على جهاز اللاسلكي أربعين: «أربع وأربعين من أربعين كيف تسمعني، بدّل». «ستة وخمسين من أربعين كيف تسمعني، حوّل». كان المنادي معروفاً، أما المنادى، وهنا أساس الخبر، فعسكريون بلا نجوم وبعضهم بلا أشرطة حمراء. هذه كانت ميزة ميشال عون في الجيش: لم يلعب لعبة من سبقوه وخلفوه. لم يحط نفسه بكبار الضباط ليبني بواسطتهم نفوذه في المؤسسة العسكرية. تجاوز عون «الكبار» ليتحالف مع عسكريين بسطاء لا يصدقون حتى اليوم أن قائدهم كان يزور غرفهم ليأكل من دستهم، وينام على فرشهم، ويحلق بشفراتهم، ويدخن من سجائرهم. ثمة عسكري فقير من بطحا أو عكار العتيقة أو بتاتر أو صليما ينتبه أن هذا الجنرال لا ينفخ في وجهه سم سيغار يعادل ثمنه راتب عسكريين. ثمة خبر هنا: هذا جنرال لا يدخن سيغار. جنرال يسألك بحنان عن صحة أبنائك وعن أحوال مدرستهم بدل «التجغيل» أمامك بأسماء الجامعات الأوروبية والأميركية التي يرتادها أبناؤه. جنرال يحدثك عن أنواع الأشجار وثمارها وعن الإمام علي بن أبي طالب وحكمه، لا عن أحدث «الجنتات» وآخر صرعات الـ turbo.
لاحقاً، كانت هذه ميزة عون في قيادة التيار الوطني الحر أيضاً: كان الجنرال يتصل بناشط عوني لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره من بلدة دردغيا ليهمس في أذنه بضع كلمات تقنعه بأنه المسؤول عن تحرر عائلته وحرية بلدته واستقلال وطنه. وكان يكفي عون أن يجتمع خمسة ناشطين في بلدة إهمج ليقنعهم باتصال هاتفي أنهم النواة لتغيير العالم، قبل أن يشعر نفسه بنفسه بأنه أقوى رجل في العالم بمجرد أن يمر بشقته الباريسية لبناني من بلدة جرنايا.
بين عامي 2005 و2011، انكسر أمر ما أو انشغل الجنرال: يمكن القول وفق اللعبة السابق ذكرها أنه لجأ إلى «كبار الضباط» ليحمي نفوذه أو إلى التحالف مع بعض المجموعات على حساب تحالفه السابق مع العناصر. شعر بعض «أبنائه» بأنه يفضل «آخرين» عليهم. تراجع دور رمزي كنج وما يمثله. واستبدلت صورة الناشط العوني في مجتمعه بصور أخرى أثرت سلباً على أساس الإعجاب الشعبي بالعونيين. خذوا الشوف مثلاً: لم يعد العوني هناك شاباً مندفعاً، يثق بقدرته على تغيير العالم، لا يمكن أحداً أن يتهمه بالوصولية وما يشبهها، أو يزايد عليه في الحرص على مصلحة التيار. أطل هناك فجأة ممثل جديد للعونيين، يرتدي إلى جانب البذلة الـ signe لسان المثقف، الشاعر والزجال. وأخذ يحاضر في الناس بالوطنية مغدقاً عليهم مفردات عجيبة وغريبة جمعها أثناء مروره السريع بعشرات الأحزاب، من البعثيين إلى الناصريين فالكتائبيين وغيرهم. والمسؤول، بحسب الرفيق، يُزار لا يزور. من هنا تربع في منزله، لا يحرك مؤخرته إلا حين يحتاج منبر الرابية إلى شاعر. والمسؤول، بحسب الرفيق، يُخدم ولا يخدم، تُعلق صوره ولا يعلق الصور لغيره، والأهم: يتفلسف ثم يتفلسف فيتفلسف.
في Platea عادت المياه العونية إلى مجاريها: الخطاب السياسي الناري تفصيل، الحضور الشعبي غير المتوقع تفصيل آخر. الأساس هو طيف رمزي كنج الذي ظلّل المسرح. توج المهرجان جهوداً بدأتها الرابية قبل نحو عام للملمة الوضع الداخلي. كانت الفكرة: «لا حزب يرضي الجميع، أوكي. أقله حزب يتسع للجميع». يقول المطلعون إن العمل بطيء في بعض الأقضية، كعكار مثلاً، وناقص في أقضية أخرى، ككسروان مثلاً، وغبي في أقضية كالمتن الشمالي. لكن حتى في هذه الأقضية بات ثمة عمل على الأقل، بعد أن كان (العمل) غائباً. وإلى الشوف مجدداً: لا بدّ من سؤال وليد جنبلاط عمّا يفعله المسؤول العوني غسان عطاالله هناك. يجيبك جنبلاط: يتصرف كناشط يتسلق أعمدة الإنارة ليرفع علم حزبه، لا كمسؤول. خلع التيار هناك عنه عباءة الشعراء، يتحدث مسؤوله بلهجة يفهمها أهالي تلك القرى النائية، من دون أن يضطروا إلى ولوج القواميس. رآه أبو تيمور معزياً أخيراً على رأس وفد من نحو أربعين عونياً بالشيخ أبو محمد جواد ولي الدين. ترده يومياً تقارير عن زياراته المتكررة لبلدات إقليم الخروب واجتماعاته الطويلة في بعض منازلها، ويسمع الناس يتناقلون الأخبار عن إصراره على تنظيم أكبر عشاء في تاريخ التيار الوطني الحر في قلب الشوف، على ساحله، أو في المتن الشمالي كما تفعل أحزاب أخرى.
أربعة أيام مرت على الاحتفال العونيّ، وما زال مستمراً. يرتفع مع صوت رمزي كنج هنا، صوت جيل لا يكاد يحق له الكلام في أي مكان آخر. في الصفوف الأمامية يحتشد «سياسيون جدد» خرّجهم ميشال عون تماماً كما في صفوف المؤسسة العسكرية يحتشد اليوم «ضباط جدد» خرّجهم عون أيضاً. للطلاب الذين لم يعد أحد يسمع صوتهم في مكان آخر، منبر هنا أيضاً. أما منبر الجنرال فيكاد يكون الوحيد القادر على إعلام اللبنانيين بما يواجهونه اليوم، ما ينتظرهم من دون كذب أو مبالغة، وما يمكنهم فعله للحد من السيئات المقبلة عليهم وتعزيز الإيجابيات.
في مناطق النفوذ العونيّ، لكل بلدة رمزي كنج خاص بها. اسمه في القبيات جيمي جبور، في تنورين أنطوان حرب، في البترون بول باسيل ومارون ناصيف ومشايخ أبي نادر، في طرابلس حسان الحسن، في الكورة جورج عطالله، في بشري مالك أبي نادر، في بجة راغب أبي عقل، في جبيل لواء شكور ومروان وعماد ملحمي، في كسروان جيلبير سلامة ورولان خوري وجوزف فهد وداني ضو، في زحلة ميشال أبي نجم، في بعبدا ربيع طراف وفي الشوف هنري يونس ومارك راشد وغسان عطالله. يمثل كنج مجموعة شبان عرفوا بـ«مناضلي التيار الوطني الحر». تميز هؤلاء ببساطتهم، قربهم من الناس، عدم تلوثهم بحروب الأحزاب، واندفاعهم للتواصل مع مختلف القوى والجمعيات وهيئات المجتمع المدني. استمد هؤلاء من العماد ميشال عون الثقة بقدرتهم على تغيير العالم.
أثناء رئاسته الحكومة الانتقالية عام 1989، كان نداء عون على جهاز اللاسلكي أربعين: «أربع وأربعين من أربعين كيف تسمعني، بدّل». «ستة وخمسين من أربعين كيف تسمعني، حوّل». كان المنادي معروفاً، أما المنادى، وهنا أساس الخبر، فعسكريون بلا نجوم وبعضهم بلا أشرطة حمراء. هذه كانت ميزة ميشال عون في الجيش: لم يلعب لعبة من سبقوه وخلفوه. لم يحط نفسه بكبار الضباط ليبني بواسطتهم نفوذه في المؤسسة العسكرية. تجاوز عون «الكبار» ليتحالف مع عسكريين بسطاء لا يصدقون حتى اليوم أن قائدهم كان يزور غرفهم ليأكل من دستهم، وينام على فرشهم، ويحلق بشفراتهم، ويدخن من سجائرهم. ثمة عسكري فقير من بطحا أو عكار العتيقة أو بتاتر أو صليما ينتبه أن هذا الجنرال لا ينفخ في وجهه سم سيغار يعادل ثمنه راتب عسكريين. ثمة خبر هنا: هذا جنرال لا يدخن سيغار. جنرال يسألك بحنان عن صحة أبنائك وعن أحوال مدرستهم بدل «التجغيل» أمامك بأسماء الجامعات الأوروبية والأميركية التي يرتادها أبناؤه. جنرال يحدثك عن أنواع الأشجار وثمارها وعن الإمام علي بن أبي طالب وحكمه، لا عن أحدث «الجنتات» وآخر صرعات الـ turbo.
لاحقاً، كانت هذه ميزة عون في قيادة التيار الوطني الحر أيضاً: كان الجنرال يتصل بناشط عوني لم يبلغ الخامسة عشرة من عمره من بلدة دردغيا ليهمس في أذنه بضع كلمات تقنعه بأنه المسؤول عن تحرر عائلته وحرية بلدته واستقلال وطنه. وكان يكفي عون أن يجتمع خمسة ناشطين في بلدة إهمج ليقنعهم باتصال هاتفي أنهم النواة لتغيير العالم، قبل أن يشعر نفسه بنفسه بأنه أقوى رجل في العالم بمجرد أن يمر بشقته الباريسية لبناني من بلدة جرنايا.
بين عامي 2005 و2011، انكسر أمر ما أو انشغل الجنرال: يمكن القول وفق اللعبة السابق ذكرها أنه لجأ إلى «كبار الضباط» ليحمي نفوذه أو إلى التحالف مع بعض المجموعات على حساب تحالفه السابق مع العناصر. شعر بعض «أبنائه» بأنه يفضل «آخرين» عليهم. تراجع دور رمزي كنج وما يمثله. واستبدلت صورة الناشط العوني في مجتمعه بصور أخرى أثرت سلباً على أساس الإعجاب الشعبي بالعونيين. خذوا الشوف مثلاً: لم يعد العوني هناك شاباً مندفعاً، يثق بقدرته على تغيير العالم، لا يمكن أحداً أن يتهمه بالوصولية وما يشبهها، أو يزايد عليه في الحرص على مصلحة التيار. أطل هناك فجأة ممثل جديد للعونيين، يرتدي إلى جانب البذلة الـ signe لسان المثقف، الشاعر والزجال. وأخذ يحاضر في الناس بالوطنية مغدقاً عليهم مفردات عجيبة وغريبة جمعها أثناء مروره السريع بعشرات الأحزاب، من البعثيين إلى الناصريين فالكتائبيين وغيرهم. والمسؤول، بحسب الرفيق، يُزار لا يزور. من هنا تربع في منزله، لا يحرك مؤخرته إلا حين يحتاج منبر الرابية إلى شاعر. والمسؤول، بحسب الرفيق، يُخدم ولا يخدم، تُعلق صوره ولا يعلق الصور لغيره، والأهم: يتفلسف ثم يتفلسف فيتفلسف.
في Platea عادت المياه العونية إلى مجاريها: الخطاب السياسي الناري تفصيل، الحضور الشعبي غير المتوقع تفصيل آخر. الأساس هو طيف رمزي كنج الذي ظلّل المسرح. توج المهرجان جهوداً بدأتها الرابية قبل نحو عام للملمة الوضع الداخلي. كانت الفكرة: «لا حزب يرضي الجميع، أوكي. أقله حزب يتسع للجميع». يقول المطلعون إن العمل بطيء في بعض الأقضية، كعكار مثلاً، وناقص في أقضية أخرى، ككسروان مثلاً، وغبي في أقضية كالمتن الشمالي. لكن حتى في هذه الأقضية بات ثمة عمل على الأقل، بعد أن كان (العمل) غائباً. وإلى الشوف مجدداً: لا بدّ من سؤال وليد جنبلاط عمّا يفعله المسؤول العوني غسان عطاالله هناك. يجيبك جنبلاط: يتصرف كناشط يتسلق أعمدة الإنارة ليرفع علم حزبه، لا كمسؤول. خلع التيار هناك عنه عباءة الشعراء، يتحدث مسؤوله بلهجة يفهمها أهالي تلك القرى النائية، من دون أن يضطروا إلى ولوج القواميس. رآه أبو تيمور معزياً أخيراً على رأس وفد من نحو أربعين عونياً بالشيخ أبو محمد جواد ولي الدين. ترده يومياً تقارير عن زياراته المتكررة لبلدات إقليم الخروب واجتماعاته الطويلة في بعض منازلها، ويسمع الناس يتناقلون الأخبار عن إصراره على تنظيم أكبر عشاء في تاريخ التيار الوطني الحر في قلب الشوف، على ساحله، أو في المتن الشمالي كما تفعل أحزاب أخرى.
أربعة أيام مرت على الاحتفال العونيّ، وما زال مستمراً. يرتفع مع صوت رمزي كنج هنا، صوت جيل لا يكاد يحق له الكلام في أي مكان آخر. في الصفوف الأمامية يحتشد «سياسيون جدد» خرّجهم ميشال عون تماماً كما في صفوف المؤسسة العسكرية يحتشد اليوم «ضباط جدد» خرّجهم عون أيضاً. للطلاب الذين لم يعد أحد يسمع صوتهم في مكان آخر، منبر هنا أيضاً. أما منبر الجنرال فيكاد يكون الوحيد القادر على إعلام اللبنانيين بما يواجهونه اليوم، ما ينتظرهم من دون كذب أو مبالغة، وما يمكنهم فعله للحد من السيئات المقبلة عليهم وتعزيز الإيجابيات.





0 التعليقات:
إرسال تعليق