الثلاثاء، 8 مايو 2012

خلاصة فيلتمان: دبّروا حالكم مع عون

جان عزيز -كاتب ومحلل سياسي
ليست خلاصة زيارة جفري فيلتمان لبيروت في ما قاله لمستقبليه، بل في ما فهموه منه. الذين باتوا من المجربين في العلاقة مع واشنطن، تريثوا أياماً قبل إطلاق انطباعاتهم واختيار كلماتهم.
في قراءة متأنية، وعلى مسافة مقبولة لهضم الزيارة، يقولون إن ما فُهم من فيلتمان في خلفية ما قاله وما لم يقله،
هو أن التوازن الأميركي _ الإيراني هو سيد الموقف في المنطقة حالياً، وهو توازن مرشح لأن يطول في الزمن. مع أن بعض التقديرات والمعلومات، تفيد بأن اجتماع بغداد في 23 أيار الجاري بات مؤهلاً لإحراز تقدم نوعي في المفاوضات بين طهران وواشنطن حول الملف النووي. حتى إنه يحكى عن اتجاه بعد ذلك التاريخ إلى رفع العقوبات الغربية عن إيران، على خلفية حل ما بات جاهزاً. إذا صح ذلك التوقع، فسيستمر التوازن المذكور في كل الملفات الأخرى المرتبطة بالعلاقة الأميركية _ الإيرانية، على قاعدة ثنائية الحركة، بين اتفاق نووي وتنافس سياسي. وإذا لم يصح الخبر، فالتوازن نفسه سيظل قائماً. ضمن معادلة معركة مفتوحة، في كل الملفات، وعلى كل الساحات، من بوشهر والعراق، الى سوريا ولبنان، وإلى ما بقي من فلسطين ومن صراع عليها... وهو هذا التوازن – التنافس، ما ينعكس اليوم على لبنان ويحدد معالم مشهده الراهن والمقبل.
في هذا السياق فهم المحنكون والمختبرون من 14 آذار من كلام فيلتمان وحركات جسمه وزوغان عينيه، ما مفاده: أصارحكم، أولاً لا تبنوا رهانات أو انتظارات على انقلابات في الخارج. وثانياً، لا تتوهموا أننا قادرون على اجتراح معجزات في الداخل.
كل ما بقي أمامنا وأمامكم هو احتمال من اثنين، بين حدين أدنى وأقصى. الحد الأدنى هو الاستعداد للانتخابات، والذهاب إليها بالأقصى من جهوزية الفوز. حتى إن فيلتمان صارح بوضوح، بأنه ستكون للانتخابات النيابية اللبنانية السنة المقبلة، وظيفة إقليمية. تماماً كما كل الاستحقاقات الانتخابية في المنطقة، منذ سقط رقم الـ 99 بالمئة، ومنذ أقنعت واشنطن أهل المنطقة بأن الصوت الواحد قد يكون رقماً صعباً.
وصارح فيلتمان آذارييه: في هذا الموضوع، وفي هذا الوقت، وحتى أوان الاستحقاق، سنكون معكم متأهبين لمساعدتكم. كيف؟ بكل بساطة، الصراع الانتخابي والتعبوي والسياسي الدائر اليوم بينكم وبين خصومكم، يرتسم حول فرز بين خطين: هناك خط في البلد يحاول أن يقول إن كل القضية اللبنانية هي كهرباء وماء وسدود وهاتف. وهو يقول للبنانيين استتباعاً: كل الحلول لهذه القضايا الحياتية عندنا، من سد بلعة إلى معامل «سيمنز»، وها هي مشاريع اتفاقياتنا الثنائية جاهزة لحل كل الأزمة اللبنانية. وهناك خط في المقابل علينا تظهيره معاً، نحن وأنتم، يقول إن التعامل مع طهران يؤدي إلى الاصطدام بالمجتمع الدولي، وإن جوهر المشكلة اللبنانية اليوم هو أزمة السلاح.
نساعدكم أيضاً في موضوع جنبلاط، قال فيلتمان. علماً بأن سامعيه يدركون أن خيار جنبلاط محسوم: نيابياً مع 14 آذار، وحكومياً مع الوسطية، على قاعدة اقتناعه المعلن بأن تسمية سعد الدين الحريري رئيساً للحكومة تفجير للبلد. كما على قاعدة إدراكه المضمر أنه كزعيم وكزعامة، بات هامشياً في كل اللعبة، فقرر أن يشاكس ويناكف و«يمتنع»، حتى يقضي الله أمراً... في هذه الأثناء، سيظل جنبلاط يرقص على ثنائية ذينك الحبلين: ضد «السلاح الإيراني» في دمشق، بحسب التصنيف الأميركي الجيو _ استراتيجي للسلاح السوري، ومع السلاح نفسه في بيروت.
أما الحد الأقصى الذي ظهر بين سطور فيلتمان، فهو الذهاب أبعد إلى لعبة جدية من نوع: سلاح في مواجهة سلاح. على طريقة أنه ليتها «زمطت» باخرة طرابلس، ومرت بعدها أخريات، بحيث يصير توازن الرعب ممكناً. بعدها يطل عمار الحوري مثلاً، ويعلن جدياً هذه المرة، ومن موقع قوة، نظرية المناطق المنزوعة السلاح. وفي سياق هذا الحد الأقصى، ينظر فيلتمان إلى حادثة إطلاق النار في معراب بجدية. يراها أكثر من محاولة اغتيال، بل محاولة تغيير قواعد الاشتباك وتبديل موازين القوى. لا بل حذر من كونها برأيه قابلة للتكرار، على قاعدة أن هناك تفاوضاً بين طهران وواشنطن، وممكن أثناء التفاوض أن يسعى طرف ما إلى استغلال الوقت الضائع لتحسين ظروفه وشروطه ...
في جوجلة لزيارة فيلتمان، كان مرشحان آذاريان يتناقشان حول الترجمة الانتخابية لكلام المسؤول الأميركي. قال أحدهما بجدية لزميله: يبدو أننا ذاهبون إلى استحقاق 2013، فيما «الجيش الأسود» ضدنا، والأجهزة كذلك، ونحن مربكون مفككون بلا قيادة حاضرة وفاعلة. قبل أن يستنتج القيادي الآذاري ناصحاً زميله: بدَّك رأيي، روح دبر حالك مع ميشال عون...
لم يفهم الزميل المنصوح ما إذا كان كلام رفيقه المسؤول نصيحة أو مزحة. وقد يكون عليه الانتظار حتى ما بعد إقفال صناديق اقتراع العام المقبل، ليدرك ذلك.

0 التعليقات:

إرسال تعليق